ابن عربي

15

كتاب الحجب

ولو نظرنا إلى الحجب المعنوية فنجدها أيضا كثيرة مثل : الحسد ، والغيرة ، والجهل ، والحقد ، والكره . فهذه أمثلة لا حصر . فلا حصر للحجب ، لأنها تظهر وتختفي حسب كل شخص ، وكما أن هناك حجبا عامة ، فهناك حجب خاصة . وكل الحجب حسب المقامات الإيمانية للأشخاص . فقد يجوز شخص حجبا لا حصر لها ، حجب كبيرة وهامة ، وكثيفة ، وربما يقف مع حجاب دون هذه الحجب التي اجتازها ، فإذا اخترقه كان طريقه ليفوز بمقام ما من المقامات الإيمانية ، فاجتيازه لهذه الحجب يؤهله للفوز ، وتوقفه عند الحجاب هو وقوفه مع الحجاب مع عدم علمه بما هو عليه الحجاب في ذاته . انظر مثلا إلى العمى تجده ينقسم إلى : حسّي ومعنوي . فالحسّي منه : عمى الأبصار . والمعنوي منه : عمى البصيرة . فعمى البصيرة أشد من عمى الأبصار ، لأن عمى البصر يحول بين الشخص وبين الألوان أو الأشياء . أمّا عمى القلوب فإنه يحول بين الشخص وبين الحق . فالحق سبحانه وتعالى يقول : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 1 » . وانظر إلى ما قاله الحكيم الترمذي ( رضي اللّه عنه ) : " الكيس من أبصر العاقبة والأحمق من عمي عنها فعن ابن عمر ، رضي اللّه عنهما ، أن رجلا قال : يا نبي اللّه ، أي المؤمنين أكيس ؟ قال : أكثرهم ذكرا للموت ، وأحسنهم له استعدادا وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع . قالوا : ما آية ذلك يا نبي اللّه ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ، ثم قرأ : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ « 2 » ، الموت عاقبة أمر الدنيا فالكيس من أبصر العاقبة ، والأحمق من عمي عنها بحجب الشهوات التي قامت بين يدي قلبه فاقتضته إنجازها وجاءته الأماني بمواعيدها الكاذبة المخلفة ؛ فتقول له خذها ثم تتوب ، وأتته الشهوة وتقول له : خذني إليك ثم تستغفر ، فإن اللّه غفور للمذنبين ، وحبيب للتائبين . فهذه حجب كثيفة دون العاقبة فلا يراها ، والكيس من سعد بجميل نظر اللّه تعالى ، وأعطى النور الزائد على نور الموحدين ، وهو نور اليقين يهتك

--> ( 1 ) الآية رقم ( 46 ) من سورة الحج ( 2 ) الآية رقم ( 22 ) من سورة الزمر